ابن أبي الحديد

253

شرح نهج البلاغة

فرس أغر كميت ، وخيله واقفة دونه وكل من جاء ليبايعه ينزع سيفه عن عاتقه ، ويؤخذ سلاحه ، ثم يدنو من شبيب فيسلم عليه بإمرة المؤمنين ، ( 1 ) ثم يبايع ، فإنا كذلك إذ أضاء الفجر ( 2 ) ومحمد بن موسى بن طلحة في أقصى العسكر مع أصحابه ، وكان الحجاج قد جعل موقفه آخر الناس ، وزائدة بن قدامة بين يديه ، ومقام محمد بن موسى مقام الأمير على الجماعة كلها ، فأمر محمد مؤذنه فأذن ، فلما سمع شبيب الاذان ، قال : ما هذا ؟ قيل : هذا ابن طلحة لم يبرح ، قال : ظننت أن حمقه وخيلاءه سيحملانه على هذا ، نحوا هؤلاء عنا ، وانزلوا بنا فلنصل ، فنزل وأذن هو ، ثم استقدم فصلى بأصحابه ، وقرأ : ( ويل لكل همزة لمزة ) ، و ( أرأيت الذي يكذب بالدين ) ، ثم سلم وركب ( 3 ) : وأرسل إلى محمد بن موسى بن طلحة : إنك امرؤ مخدوع قد اتقى بك الحجاج المنية ، وأنت لي جار بالكوفة ، ولك حق فانطلق لما أمرت به ، ولك الله ألا أسوءك ( 4 ) ، فأبى محاربته ( 5 ) فأعاد عليه الرسول فأبى إلا قتاله ، فقال له شبيب : كأني بأصحابك لو التقت حلقتا ( 6 ) البطان قد أسلموك ، وصرعت مصرع أمثالك ، فأطعني وانصرف

--> ( 1 ) في الطبري : ( ثم يخلى سبيله ) . ( 2 ) في الطبري : ( إذ انفجر الفجر ) . ( 3 ) في الطبري : ( ثم ركبوا فحمل عليهم ، فانكشفت طائفة من أصحابه ، وثبتت طائفة ، قال فروة : فما أنسى قوله ، وقد غشيناه وهو يقاتل بسيفه ، وهو يقول : ( ألم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون . ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) . قال : وضارب حتى قتل ، فسمعت أصحابي يقولون : إن شبيبا هو الذي قتله . ثم إنا نزلنا فأخذنا ما كان في العسكر من شئ ، وهرب الذين كانوا بايعوا شبيبا ، فلم يبق منهم أحد . . . ) . ( 4 ) الطبري : ( ولك الله لا آذيتك ) . ( 5 ) الكلام هنا يختلف عما في الطبري ، بالتقديم والتأخير واختلاف العبارات . ( 6 ) البطان : حزام الرحل أو القتب الذي يلي البطن ، له حلقتان في كل طرف حلقة ، يصعب التقاؤهما ، فإذا التقتا ، بلغ الشد غايته ، يريدون أن الشدة بلغت منتهاها ، وهو مثل ، ومنه قول أوس : وإذا التقت حلقتا البطان بأقوام وطارت نفوسهم جزعا